باحت معركة حشد السّاحات بأسرارها وانجلى غبارها ليكشف عجز النهضة عن استعادة المبادرة شعبيّا ولم يتمكن جهازها التنظيمي من ملء الشوارع واطلاق مسار اسقاط الرئيس.

مثلت هذه الحلقة من الصراع لحظة ابراز الصورة الجديدة لتونس ما بعد 25 جويلية والتي يتصدرها واقع انهيار حركة النهضة كحزب ذي امتداد شعبي وقاعدة جماهيرية. حاولت النهضة استنفار جمهورها وفسخ حادثة وقوف أهم قيادييها المهين والضعيف أمام أسوار البرلمان من ذاكرة الناس، فكان التوجه نحو الفعل التنظيمي الذي لا يعتمد على وعي القواعد وادراكها خطورة اللحظة وإنما على الحشد الممول وتجنيد القدرات اللوجستية والتوجه نحو صناعة الصورة والعمل على نشرها إعلاميا والترويج لـ “عودة” الحزب الى الواجهة.

مع انسحاب آخر متظاهر من مسيرة 10 أكتوبر، كانت النهضة تعيش لحظة انتهاء الحزب كحركة تسعى للحكم بالآليات الديمقراطية الى تنظيم يُختزل في جهازه الحركي ولا يرى في الفعل السياسي الداخلي أي أفق للعودة الى السلطة.

لم تكن المسيرة موجهة للداخل ولا لتحقيق أي مكسب جماهيري بل كانت تحمل جملة من الرسائل الى الخارج وبالتحديد الى القوى الغربية لإعطاء انطباع بتساوي القوى شعبيا وانقسام الشارع بين مؤيد ومعارض وبأن عزل النهضة هو تهميش لقطاع واسع وفاعل ووازن شعبيّا. كانت شعارات المسيرة استجداء للتدخل الخارجي في المسار السياسي التونسي وتناغما مع استراتيجيات بعض الدول الغربية وأذرعتها الأيديولوجية وإعلانا للولاء للأجندات التي اعتمدت لتونس ومن أهمها :

1 – خلافا لما يعتقد البعض، تونس أكبر من حجمها، بمعنى أن الوزن الجغراسياسي لبلادنا يفوق جغرافيتها. هذه احدى قناعات المخططين الاستراتيجيين الغربيين الذين يعلمون جيدا أن تونس تلعب أدوارا طليعية وأن لأحداثها وقعا كبير على مسارات الجوار وأفق تحركاته، خاصّة والمنطقة تعيش على وقع ديناميكيات مستجدة وشديدة التأثر بالتجربة التونسية في التغيير عبر الضغط الشعبي والانتفاضة والهبة الجماهيرية. لذا، حاولت النهضة أن تلعب ورقة التهديد بصدام الشوارع ولمحت شعاراتها الى إمكانية تهديد الاستقرار الأمني والسلم المدني لاقناع دول الغرب المتشابكة على الساحة التونسية بأن البلاد قد تكون على أعتاب انفجار سياسي يهدّد مخطط القوى الفاعلة إقليميا الساعية لاعادة ترتيب أوراق المنطقة والتي تحتاج الى إحلال الاستقرار في تونس باعتبارها منصة تفاعل مع الوضع الليبي المنفلت والحالة الجزائرية المستعصية على التدخّل.

2 – للنهضة علم وقناعة بأن الدول الغربية وأذرعها السياسية والأيديولوجية من منظمات غير حكومة ومستشارين استثمرت في التجربة التونسية لتجعل منها نموذجا لأي حراك شعبي في المنطقة. لذا عملت الحركة على ابراز تحولات ما بعد 25 جويلية كانقلاب على مشروع القوى الغربية وتبديد لما أنجزت وانفقت عليه وروجت له كنجاح سياسي للديمقراطية بتمويل وتدخل من الدول الأجنبية.

3 – بانحيازها الواضح إلى أجندات القوى الغربية ورفع لافتات بلغات أجنبية في مظاهراتها، اعتقدت القيادات النهضوية أنها تعلن اصطفافها ضمن محور جغراسياسي أطلسي في مواجهة التغيرات العاصفة بالخريطة الإقليمية المتمثلة خاصة في انهيار عملية “برخان” بمالي والتي مثلت هزيمة فرنسية-أوروبية مزدوجة وتأزم علاقات المملكة المغربية مع جوارها شمالا وشرقا وتعقّد المشهد الليبي وضبابية مآلاته سياسيا وانتخابيّا وتسرب القوة الروسية عبر “فانغر” للإقليم وانفجار الوضع المأساوي للمهاجرين الافارقة في محتشدات طرابلس إضافة الى أهم تغيّر استراتيجي وهو تعافي الجزائر وفشل مخطط الفتنة والصراع على الهويات والتحاق البلاد بالمحور الجديد الممتد من القاهرة الى الجزائر مرورا بتونس.

إلا أن محاولات النهضة وجزءا مهمّا من المنظومة التي حكمت البلاد خلال العشرية الفارطة لم تنجح في ارباك الوضع داخليا حتى وإن تمكنت من فرض نوع من الضغط الغربي على الرئيس قيس سعيد الذي استقبل بشكل دوري وعلى غير العادة الديبلوماسية مبعوثين وموفدين قدموا لاستقصاء الوضع والسؤال عن محاور التوجهات السياسية والمؤسساتية للقيادة في قادم الأيام.

مثلت عملية تشكيل الحكومة وتعيين رئيستها انعطافة خطيرة أمام النهضة التي استشعرت الخشية من البدء في فتح الملفات الكبرى لعشرية الإفلات من المحاسبة وبالتالي تغيير مفردات الصراع من النقاش الدستوري حول مضامين المواد الى أروقة المحاكمات وتقديم المسؤولين عن ارتكاب الجرائم الكبرى من اغتيال الزعماء الى التسفير مرورا بملفات الفساد والتلاعب بالمسارات الانتخابية. فالنهضة تخشى مواجهة العدالة والقضاء خارج دائرة تأثيرها وتعلم يقينا أن اللوبيات التي ستُستدعى للمثول في قضايا الاثراء المشبوه والفساد زمن امساكها بزمام الحكم ستنقلب عليها وتخرج بشكل انتهازي من جبّتها وهو ما سيكشف ظهرها سياسيا، فالمال عصب الحكم بالنسبة لقيادات النهضة ورافعة أساسية للامساك البلاد.

قد لا تكون النهضة في المستقبل القريب سوى طيفا لما كانت عليه سابقا ولما كان يخيل للبعض ممن تحالفوا معها اقتناعا بقوة حضورها الشعبي ولكن من المؤكد انها لن تكون ضمن مفردات المعادلة الأساسية. قد تكون لجهازها العملياتي أدوار أمنية ولكن المعركة القادمة ستدور على ميدان الاقتصاد والإصلاحات المعقدة وإعادة اعمار المؤسسات التي نخرها الفساد والتسيب وهو ما يحتاج لحشد القوى داخليا حول مشاريع وتصورات مبدعة وبناء تحالفات خارجية وخاصة إقليمية مع الجوار لجعل تونس قبلة لاستثمارات حقيقية ضمن تخطيط استراتيجي في كل مجالات انتاج الثروة وتثمينها بعيدا عن منطق الاستجداء وأوهام الانفتاح التابع.

ان هذا المشروع الكبير يستوجب انجاز رافعة سياسية تكون أداة الابداع والاقناع والتحفيز وقبلة للكفاءات الصادقة والمؤمنة بمستقبل بديل لتونس. لكن هذا التصوّر، في ظل الشح المستدام للمعلومة القادمة من قرطاج، يتحول الى ضرب من ضروب التمني… وهذا مبحث آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!