أحيانا كثيرة يصح أن نتساءل هل بالفعل وقعت في تونس ثورة كسرت كل قيود الاستبداد وصار المواطن أي مواطن بعدها حرا كريما حقوقه مصانة ومحفوظة؟

للأسف الشديد أمام تصرفات بعض الأمنيين يحق لنا طرح هذا السؤال خاصة وأن بيد أي أمني ادراج مواطن تحت قائمة القانون سيء الذكر والسمعة المعروف باسم الـ “اس 17 S17” والذي بموجبه تتحول حياة أي مواطن إلى جحيم وتصبح البلاد على فساحتها سجنا كبيرا فينادي ولا من مجيب ويقرع أبواب القضاء فينصفه إلا أن عقلية الـ “بوليس بن علي” التي مازالت راسخة في نفوس بعض الأمنيين تجعل قرارات القضاء لا تساوي حتى ثمن الحبر الذي كتبت به.

قانون ظالم هو أشبه بـ”سيف ديمقوليس” الذي يقطع أي راس بطريقة عشوائية فقط تلبية لنزوة الامبراطور في القتل ولئن كان ما فعله ديمقلويس قتلا حقيقيا فإن ما يفعله قانون الـ “اس 17 S17” هو قتل معنوي أشنع وأفظع لأن المواطن يحس أنه بلا قيمة في وطنه وأنه غريب بين أهله وخلانه فلا حرية له في السفر لا بل حتى في التنقل داخل بلده ولا يحق له استخراج أي وثيقة من مصالح الأمن كما يمكن أن توقفه أي دورية وتحوله إلى أي مركز أمني ليبقى هناك ساعات وساعات يتم خلالها استنطاقه حول أشياء لا يعلمها ويتم اطلاق وابل من الأسئلة عليه حول أشخاص لم يلتقهم ولو مرة في حياته وعن أفكار كان يستهزئ ممن يحملها كأي تونسي وسطي منفتح يكره التطرف سواء كان من اليمين أو من اليسار .. ولم يكن ذاك المواطن المسكين يعلم أنه سيسقط يوما ضحية “تطرف” رجل أمن تعسف في استعمال حق أريد به باطل في أغلب الأحيان.

رمز الـ “اس S17”  هذا الإجراء الذي بوبته وزارة الداخلية ضمن إستراتيجيتها الوطنية لمقاومة الإرهاب، والحد من سفر الشباب إلى “بؤر التوتر” منذ 2013 شنعت به منظمات حقوقية محلية ودولية وأجمعت كلها إلى انه غير الدستوري  وأنه ينتهك أبسط حقوق الأفراد في التنقل بحرية، سواء داخل تونس أو خارجها، وأقرت المحكمة الإدارية بعدم شرعيته وطالبت برفعه عن كل من تظلموا إليها  لكن رغم ذلك تواصل الأجهزة الأمنية في البلاد تطبيقه على المواطنين بشكل تعسفي وصار يستعمل في تصفية الحسابات خاصة منذ أن اعتقد يوسف الشاهد أنه “رجل تونس” الأول وأنه في طريقه إلى الاستفراد بالسلطة في البلاد وكم من مواطن تحولت حياته إلى جحيم فقط لان جماعة الشاهد في وزارة الداخلية وما أكثرهم إلى اليوم يريدون معاقبته على معارضة زعيمهم الأوحد والملهم وهل من عقاب أشد من أن يصنف مواطن بريء على أنه “مشبوه” فتتعطل حياته وتتعذب أسرته لأن الأمني الـ”شاهدي” يريد ترضية “جوزاف” ولا يهم أن كانت تلك الترضية على حساب كرامة مواطن وحريته بل وإنسانيته لأن من يتم إيقافه للتحري ويوجد اسمه تحت لائحة شفرة الـ “اس 17 S17” يتم تحويله إلى مركز الامن لاستنطاقه و هرسلته بعد أن حرم من حقه في نيل أي وثيقة من مصالح وزارة الداخلية ولا حياة لأي مواطن بدون تلك الوثائق التي تعتبر “حياتية” بامتياز فلا شغل دون البطاقة عدد 3 ولا احساس بالحرية والكرامة دون جواز سفر.

هذه الجريمة البشعة في حق “الانسان” التونسي أثبتها مرصد الحقوق والحريات بتونس واشار في احصائيات قام بها بعد تحريات دقيقة إلى أن  قرابة 50% من المشمولين بالإجراء الحدودي “أس 17” S17  لم تطأ أقدامهم مراكز الشرطة بأي تهمة كانت ولم يسافروا خارج التراب التونسي ولم يصدر ضدهم أي قرار قضائي، ولكنهم رغم ذلك وجدوا أنفسهم مصنفين تحت هذه “الاستشارة الأمنية” بغير علمهم لا لشيء إلا لأن هذا الاجراء تحول إلى عصا غليظة في يد بعض مسؤولي وزارة الداخلية لفرض انتهاكات جسيمة ضد الأفراد داخل البلاد وخارجها وكم من مواطن شعر بمرارة وغصة في حلقه وهو يكتشف صدفة إثر توقيفه في المعابر الحدودية البرية والجوية والبحرية خلال إجراءات تفتيش روتينية أو عندما توقفه دورية أمنية في الشارع أو حين يقصد مركز أمن لاستخراج وثيقة أنه مشمول بذلك الاجراء اللعين فيسأل ولا من مجيب ولسان حال من صنفوه تشفيا وانتقاما وتنفيذا لأمر من شخصية كانت مهووسة بالسلطة  مثل امبراطور روما نيرون يقول له الحاط أمامك إن أردت فكسر رأسك عليه والبحر وراءك فاشرب منه أما أن تتم إزاحة اسمه من قائمة المشمولين بذلك الاجراء الغريب والمريب فنجوم السماء أقرب منه إلى أن يرضى عنه من كاد يحكمنا بالنار والحديد . رغم بشاعة هذا الاجراء الذي تفردت به تونس دون بقية دول العالم في استعماله بداعي مقاومة الارهاب ورغم أن كل المنظمات الحقوقية اجمعت على أنه ضد الانسانية إلا أن  وزارة الداخلية مازالت إلى اليوم ترفض مراجعة هذا الإجراء ولا تحري الدقة في تحديد المشمولين به على الأقل لأن مقاومة الارهاب لا تكون بمثل هذا الاجراء الذي يجب أن يشمل فقط من تورط في جريمة ارهابية ويخشى منه العودة إلى صنيعه السيء لكن أن يتم “حشر” مواطنين منه تشفيا وانتقاما وظلما،  فهذا هو غير المقبول وها أن هذا القانون يستعمل منذ 2013 قهل انتهى الارهاب من تونس ؟ وهل بمثل هذا القانون يمكن مقاومته ؟ وهل أن الارهابي أو من يفكر في الالتحاق ببؤر التوتر أو الانضمام إلى منظمة ارهابية سيرتدع  بمثل هذا الاجراء ؟ وهل أن الارهابي يحتاج أصلا إلى وثائق أو إلى جواز سفر أو أنه يسير في شوارعنا باطمئنان وينتظر أن توقفه دورية لتكتشف أنه ارهابي؟ كلنا نريد الأمن لكن ليس بعقلية “بوليس بن علي” ولا بعقلية من أراد أن يكون مثله وعبث بأجهزة الدولة عبثا ما بعده عبث مازال آثاره إلى اليوم بادية للعيان،  فالميزانية مختلة وقضايا الفساد تفوح روائحها النتنة من كل ركن في تونس وهي كلها من مخلفات عهد الشاهد الذي “لغّم” الادارة التونسية بالموالين له ومازال إلى يوم الناس هذا “يحرك” بيادقه الأمنية لمحاصرة مواطن صدع بكلمة حق ضده فيحرمه من حريته ويقيد خطواته بحشره حشرا تحت طائلة ذلك القانون سيء السمعة وإلى متى تبقى وزارة الداخلية يرتع فيه الموالون للشاهد بكل حرية ويشوهون سمعة البلاد بهذا الاجراء المنافي للدستور ولأبسط حقوق المواطنة؟ ننتظر الاجابة من رئيس الحكومة ووزير الداخلية بالنيابة هشام المشيشي ليتحرك لإلغاء هذا القانون أو على الأقل حصره فقط في من ثبتت عليهم تهمة الارهاب حتى لا نأخذ كل مواطن بالشبهة والتي يتم “تفصيلها” في مكاتب مسؤولين أمنيين تابعين للشاهد وليس لتونس لأن الأمني التونسي الأصيل غير عقيدته الأمنية من أمني في خدمة الأشخاص المتنفذين إلى أمني في خدمة الدولة والوطن والشعب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!